عبد الرحمن بدوي
101
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
يا نفس ! إن « 1 » النار تطفأ ونار الشهوة لا تطفأ ، والأوجاع تعرض للبدن ثم تزول « 2 » فيستراح منها وأوجاع الشهوة لا يستراح منها إلّا أن تداويها بالعقل ؛ ودواؤها تركها واقتناء الصبر عنها ، لأن حياة الشهوة مواصلتها ، وموتها مقاطعتها والصبر عنها . وقد ينبغي يا نفس أن تعلمي أن شهوات الدنيا ليست كلها في المآكل « 3 » ، بل فيها ما هو خارج عن المآكل ، ولكن شهوات « 4 » المآكل أضرّها ، وذلك أن الجسد لا يشتهى الأشربة إلّا بعد أن « 5 » يشبع ، ولا يشتهى النكاح إلّا بعد أن يشبع « 6 » ، وكذلك الكسوة وجميع المقتنيات الحاملة للنفس على ركوب المهالك والمخاوف ، المخرجة لها إلى الضّعة والخساسة والدناءة . يا نفس ! إنّى قد بصّرتك فلا تتعامى ؛ وقد صوّبتك فلا تتخاطى - فتعظم حسرتك ويتضاعف عذابك باتباعك هواك وشهواتك . يا نفس ! إن الأعمى إذا مشى ووقع في جب ، كان معذورا عند نفسه وعند غيره . فأمّا البصير إذا أتى جبّا وهو يبصره فألقى نفسه فيه بهواه وشهوته فأىّ عذر له عند نفسه أو « 7 » عند غيره ! يا نفس ! ما أعظم حسرة الواقع في المكروه بعلم وبصيرة « 8 » ، وما أشدّ عذابه ! ومعنى شدّة عذابه علمه ومعرفته وفطنته إلى ما فعل بنفسه . فخذي يا نفس هذه الوصايا واعملى بها - وفّقى للسعادة « 9 » وتفوزى بالنجاة . يا نفس ! إنّ « 10 » من عفّ عن شهوات الدنيا عفّت مصائب الدنيا عنه وخرج من الدنيا سليما رابحا ، وربحه قربه من اللّه . ومن أسرع إلى شهوات الدنيا أسرعت مصائب
--> ( 1 ) إن : ناقصة في ص ، س . ( 2 ) ب : فتزول . ( 3 ) ن : المأكل والمشرب . ب : المأكل . ( 4 ) ب : شهوة . ( 5 ) ب : بعد الشبع . ( 6 ) ب : بعد الشبع . ( 7 ) ص ، س : وعند . ( 8 ) كذا في ص ، س ، ن . - وفي ب : بعلمه وبصره . ( 9 ) ص ، س : بالسعادة . ( 10 ) ب : إنه .